محمد باقر الملكي الميانجي
55
مناهج البيان في تفسير القرآن
الانصراف عن عزمهما الأوّل بولاية اللّه وتوفيقه ، فإنّ قلب المؤمن بين إصبعي الرّحمن ، وما خرجا بعد عن ولايته سبحانه وما وقع منهما العصيان عملا وخارجا . والعزم الّذي وقع منهما في مرتبة النفس ومقام القلب لم يبلغ مرتبة الجزم والجدّ المستتبع للعمل ، فالآية الكريمة ظاهرة في أنّ اللّه وليّهما حال كونهما فاشلين ولمّا يخرجا عن حصن ولايته . ويمكن أن يكون معناه مثل قوله تعالى : « وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِها لَوْ لا أَنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ كَذلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُخْلَصِينَ » . [ يوسف ( 12 ) / 42 ] فإنّ الظاهر أنّ همّه بها معلّق ، أي : همّ بها إن لم يشاهد برهان ربّه ، بعبارة أخرى : لولا عصمة اللّه المانعة وأمانه لكان يهمّ ، لا أنّه همّ بها ثمّ رأى برهان ربّه . وكذلك معنى الآية المبحوث فيها إذ همّت طائفتان منكم أن تفشلا والحال أنّ اللّه متولّي أمرهما ، وقابض بيد ولايته وعنايته وكفايته أن تزلا . قوله تعالى : « وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ » . ( 122 ) تذكرة وإرشاد منه سبحانه لأهل الإيمان باللّه والعارف لسننه الجميلة ، أنّه لا بدّ من الثقة باللّه والركون إليه والسكون به ، فإنّ أزمّة الأمور بيده ومصادرها عن قضائه ، فلا يخذل من نصره . وهذه الجملة أيضا ليست فيها رائحة ذمّ ولا شوب قدح ولوم . إذ يواجه بهذا الخطاب كلّ نبيّ ووصيّ وصدّيق ومؤمن . قال تعالى : « يا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَالْمُنافِقِينَ . . . إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً حَكِيماً وَاتَّبِعْ ما يُوحى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ إِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلًا » . [ الأحزاب ( 33 ) / 1 - 3 ] و « فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ » . [ النمل ( 27 ) / 79 ] فتلخّص أنّ الآية الأولى في خطاب للرسول صلّى اللّه عليه وآله وسلّم بعناية تشريفه وتكريمه . وفي هذه الآية وقع الكلام في الطائفتين اللّتين همّتا أن